
بقلم الكاتب حسين أبوالمجد حسن
في عام 1946، في صحراء “قُمران” القاحلة قرب البحر الميت، كان راعٍ بدوي شاب يُدعى محمد الذِّيب يبحث عن عنزة شردت من القطيع.
ألقى بحجر داخل كهف مظلم ليُخيفها، فسمع صوتًا غريبًا… تحطّم فخّار!
اقترب بحذر، ليكتشف جِرارًا فخارية طويلة مغلقة بإحكام.
فتح أحدها، فوجد لفائف ملفوفة بكتّان هشّ، وكأنها كانت نائمة منذ ألفي عام.
ما لم يكن يعلمه ذلك الراعي البسيط، أن بين يديه أقدم نسخ معروفة للتوراة، ونصوصًا دينية تعود إلى القرون التي سبقت ميلاد المسيح… ما سُمّي لاحقًا بـ “مخطوطات البحر الميت”.
التوراة كما كانت… قبل أن تُبدّلها الأيدي
عندما فحص العلماء هذه المخطوطات، كانت الصدمة:
النصوص تطابقت في أجزاء كثيرة مع التوراة التي بين أيدي اليهود اليوم، لكنها في مواضع أخرى كشفت اختلافات جوهرية في العقيدة والمعنى والتفسير.
لقد أظهرت أن اليهود القدماء انقسموا إلى طوائف، منها الأسينيون الذين كتبوا هذه المخطوطات، وكانوا يرفضون ما رأوه فساد الكهنة في القدس وتحريفهم للدين.
كما أظهرت أن اليهود كانوا يعرفون النص الأصلي للتوراة، لكنهم على مرّ القرون بدّلوا بعض الكلمات وحرّفوا المعاني بما يخدم مصالحهم وسلطتهم الدينية.
وهذا ما نطق به القرآن منذ قرون:
“فَنَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ” (البقرة:
لماذا لم يعترفوا بها؟
حين ظهرت هذه اللفائف للنور، كان يُفترض أن تغيّر فهم العالم للتوراة والتاريخ الديني كله.
لكن الغريب أن الهيئات الدينية اليهودية تجاهلتها تقريبًا، ولم تُدمج نصوصها في نسخ التوراة الرسمية.
لأنها ببساطة تُحرج الرواية التقليدية لليهود، وتكشف أن كثيرًا مما في التوراة الحالية كُتب بأيدي البشر، لا وحيًا من السماء.
فهم لم يكونوا جهلاء بما وجدوه، بل كما قال الله تعالى:
لكنهم اختاروا أن يتبعوا ما كتبوه بأيديهم، لا ما أنزل الله عليهم حقًا.
القرآن… الشاهد الباقي على التحريف
أكد الإسلام في أكثر من موضع أن الكتب السماوية السابقة كانت وحيًا من الله، لكن التحريف دخلها بأيدي الناس.
وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح
فالإسلام لا ينكر أصل التوراة والإنجيل، لكنه يكشف أن النسخ الحالية امتزج فيها الحق بالباطل، والوحي بالنص البشري، بينما بقي القرآن محفوظًا بقدرة الله كما وعد سبحانه:
“مخطوطات البحر الميت” لم تكن مجرد أوراق قديمة…
بل كانت شهادة من التاريخ على صدق الوحي، وكذب التحريف.
لقد أثبتت أن ما أخفاه البشر لم يكن كلام الله، بل ما أضافوه عليه من أهوائهم ومصالحهم.
كلا… لأن النور الذي أنزله الله لا تُطفئه أكاذيب التاريخ.





